“يا رايح كثر قبايح”

كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:

 

أطرف ما سمعت في عالم السياسة والاقتصاد أن حاكم مصرف لبنان قال عن نفسه في آخر مقابلة تلفزيونية أنه “كبش محرقة”. قد يقصد أنه لم يحكم المصرف سوى ثلاثين سنة، ربما كان يرغب بالبقاء ثلاثمئة سنة حتى لا يكون “كبش محرقة”. ما هذا الكبش للمحرقة الذي “حرق دين البلد والناس والليرة والذهب”، ولم يشبع بعد…

يقول المثل الشعبي “يا رايح كثر ملايح”، ومنهم من يقولها “يا رايح كَتِّر قبايح”. الصيغة الثانية تنطبق أكثر على حاكم مصرف لبنان “الفوق العادة” المنتهية ولايته وصلاحيته، الذي عَوَّدَنا على اجترار نفس اللازمة في مقابلاته التلفزيونية المستأجرة، لِيُكثِرَ من قبائحه واتهاماته الممجوجة والـمُلَفَّقَة يُمنةً ويُسرة، حتى كدنا نصفه بالكَذَّاب لولا احترامنا لفارق السن بيننا.

 

مرةً بعد مرة يعيد رياض سلامة اتهام حكومة الرئيس حسان دياب بالتسبب بانهيار الليرة لأنها حسب زعمه، امتنعت عن تسديد أقساط الديون(التي كان قد حولها فؤاد السنيورة بعبقريتِه المالية من ليرة لبنانية إلى دولار). يكرر سلامة نغمته برغم كل الشهادات التي أدلى بها الخبراء عن صوابية قرار الحكومة آنذاك، وبرغم كل التحليلات والاستنتاجات التي تقول أنه لولا الامتناع عن دفع اليوروبوند لكان طار عشر مليارات دولار من الخزينة يومها ولكان وصل الانهيار قبل موعده بسنتين(مع العلم أن الحكومة كانت تتهيأ يومها للبدء بمفاوضات لإعادة جدولة الديون مع الدائنين لولا انقلاب طغمة الفساد عليها دعماً لسلامة). ولكن ماذا نقول عن رجل مثل رياض سلامة شعاره “عنزة ولو طارت” وسُمعتُه في الحضيض؟ ولكن للأسف يحميهِ في غِيِّهِ مِن داخل الوطن فريقٌ متكاملٌ من الفاسدين ممتد من مجلس النواب إلى رئاسة الحكومة ورئاسات الكنائس والمعابد والكهنة والمصارف والمرتشين، ومن خارج الوطن كيانات تصل إلى ما وراء البحار والمحيطات وأوكار اللعب بمصير الأوطان.

 

أما نوابُ الحاكم الأربعة، الذين يهيمون على وجوههم لا يعلمون ماذا يفعلون ولا ماذا يقولون، فنراهم تارةً يتنصلون من ارتكابات حاكمهم ويتهمونه بالتفرد برأيه، وأنهم اشتكوه للحكومات التي لم ترد عليهم، وتارةً يتنصلون من تصريحاتِهِم، ربما بعد تلقيهم منه رسالة تهديدٍ وإكراميات(على ذمة الراوي).

ما دام للبنك المركزي نوابُ حاكم يدَّعون أنهم لم يشعروا بالماء تجري من تحت أرجُلِهِم، فلا نستغرب أن يحكمهم رياض سلامة بقرنه وقرون فريقه. وما داموا ينتمون إلى زعماء دَسُّوهم في المصرف ليس لكفاءتهم التي تخولهم إدارة المال العام أو التأثير على قرارات الحاكم، أو لامتلاكهم الضمير الذي يجعلهم يسهرون على مصلحة البلد. فلا نستغرب أن يمضي هؤلاء النواب صامتين دهراً، ثم يتكلمون ظلماَ حتى لا نقول كفراً… أليس معلمهم وساحرهم هو الحاكم فوق العادة وفوق المحاكم وفوق كل السجلات العدلية؟