هل كانت بلدية الحدث أول من طعن ورقة التفاهم؟
كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
من أهم إنجازات ورقة التفاهم بين ح. الله والتيار الوطني الحر، أنها أسست فعلاً لعلاقات سليمة وصادقة بين بيئتين كبيرتين من مكونات الشعب اللبناني، من طائفتين مختلفتين. والمشهد الرائع هو ما أوصل إليه التفاهم من متانة الصداقة بين مناصري التيار والحزب إلى حد الأخوة ووحدة الحال على كل المستويات من القيادة إلى القاعدة إلى البيئة الحاضنة. حتى أن التقارب بين الطرفين وصل إلى ما يشبه الانصهار وربما المصاهرة، وهذا إنجاز كبير نظراً لكثرة الصراعات الطائفية الدموية التي مرت في تاريخ لبنان بين بعض طوائفه.
لقد عقدنا الآمال على أن هذا التفاهم سوف يؤسس لدولة مدنية حقيقية ولإلغاء الطائفية السياسية التي كان ينادي بها الكثيرون من الزعماء الوطنيين اللبنانيين وعلى رأسهم سماحة الإمام المغدور به السيد موسى الصدر. ثم أكمل المسيرة نفسها من بعدهم القائدان الكبيران اللذان وَقَّعا ورقة التفاهم فخامة العماد ميشال عون وسماحة السيد ح_س_ن ن_ص_ر_ال_له.
وإذ ببعض الجهات تبدأ “على الناعم” بتمزيق ورقة التفاهم متحججةً بأسباب عقارية وديموغرافية واجتماعية غير مقنعة، بل ومشبوهة، ومتسترة بتوجيهات بعض المواقع الكهنوتية وبعض مواقع الناقمين على وجود التفاهم من أساسه. والقصة الصادمة بدأت بإصدار قرار من رئيس بلدية الحدث، المنتمي حتى العظم للتيار الوطني الحر، يمنع بموجبه بيع أراضي في الحدث لغير المسيحيين، بل أكثر من ذلك، وصلت الأمور إلى أن البلدية تمنع حتى تأجير المنازل والمحال لغير المسيحيين، والمقصود طبعاً بعبارة “غير المسيحيين”، المسلمين، ثم أتبع القرار بما يشبه حملة تطهير لمنطقة الحدث من الوجود غير المسيحي عبر طرد المستأجرين والتضييق على المالكين ليبيعوا منازلهم ويرحلوا. إذن رئيس بلدية الحدث العوني هو أول من دق مسماراً في نعش التفاهم، وللأسف لم يتخذ التيار أي إجراء تصحيحي للخطأ.
قد يعترض البعض على مقالتي ويقدم لي ما تيسَّرَ له من حجج وبراهين للدلالة على صوابية قرار البلدية. بصراحة لا يهم أي إنسان وطني حيثيات القرار ولا أسبابه، بل الذي يهم هي نتائجه ومفاعيله على حاضر الوطن ومستقبله. وكأن هناك خطة مبرمجة جعلت طعن التفاهم يأتي من أناسٍ ينتمون إلى أحد طرفيه، ليكون الطعن أكثر إيلاماً وإمعاناً في تمزيقه، مضافاً إلى الطاعنين فيه من المسيحيين والمسلمين المتضررين من وجوده.
مع كل احترامي ومحبتي لأصدقائي في التيار الوطني الحر، أقول لهم بكل حزنٍ وأسى، ليس هكذا تورد الإبل. فلو سَلَّمنا معهم جدلاً بوجود إشكالات أجبرتهم على اتخاذ إجراءاتٍ ما أو قراراتٍ، فالأولى أن تكون تلك الإجراءات لمعالجة الإشكاليات بحد ذاتها وليس لتكريس الطائفية وضرب ورقة هي بلا مبالغة، أهم ورقة تفاهم تحصل بين مسيحيين ومسلمين عبر التاريخ.
ومع كل احترامي للنائب آلان عون كونه من الـمُنَظِّرين الدائمين للوطنية وللدولة المدنية، كان المفترض به أن يكون أول المعارضين لهكذا قرارات لأنها حتماً ستكون بمثابة دفعة قوية نحو التقسيم والفصل العنصري والتقوقع الطائفي.
وكل التهاني للجيش اللبناني الحبيب بمناسبة عيده، وهو الضامن للوحدة الوطنية.