كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
بالمباشر ودون مقدمات، من المبالغة وعدم الدقة القول أن أميركا انسحبت من المنطقة، فإذا صدق القول أنها انسحبت فقد كان ذلك انسحاباً تكتيكياً وليس انسحاب المهزوم. فلو كانت مهزومة لما رأيناها تعيد دعم وُجُودِها حالياً، ولما رأيناها تحتفظ بتنظيمات داعش التي اخترعتها، تحملها في شبه حقائب غب الطلب وترسلها إلى حيث تريد إشعال حرب أو فتنة، ولما رأيناها تسرق النفط السوري ونحن نتفرج عليها، ولما رأيناها تسرق ذهب العراق ونفطه، ونفط ليبيا وثروات المنطقة كلها، ونحن نندبُ حظنا ونبرع في تحليل نواياها ومناقشة أدائها على الشاشات والمنابر والصفحات. أكثر من ذلك إن أميركا تحضر حالياً لعرقلة استخراج الغاز اللبناني، لأنها لا تستطيع أن تتصوَّرَ لبنان مستقلاً اقتصادياً وغير متعلق بذيل ثوب سفرائها. إذن نحن اليوم أمام مشهد خطير في سوريا ولبنان والمنطقة يتلخص بما يأتي:
تصاعُد حصار قانون قيصر الاقتصادي على سوريا ولبنان ودول الجوار العربي. تحشيد عسكري أميركي متزايد. تسليح للدواعش والفصائل التكفيرية على الأرض وتدريبها وتفعيل عملياتها ضد الجيش السوري وضد دول المحور. تقطيع طرق التواصل بين العراق وسوريا ولبنان والتحضر لإفشال كل مخططات تسهيل ذلك التواصل مثل طريق الحرير ومنطقة البوكمال، وغيرها. قصف صهيوني متواصل لدمشق وبعض المدن وتدمير ممنهج للمنشآت السورية. هجمة من امبراطورية الاطلسي لتعديل دور الامم المتحدة في لبنان إلى دور بوليسي هجومي خطير ينقل القرار 1701 إلى الفصل السابع. وهناك أمور أخرى تسير أمامنا بوضوح، لا تتسع الصفحاتُ الموجزة لذكرها.
بالمقابل نرى أن الدول المستهدفة(دول محور الـ_مق_او_مة) وكأنها تنتظر الفعل لتقوم بردة الفعل، فلا تبادر بأعمال وقائية تعرقل المؤامرات قبل وقوعها. ومن ناحية ثانية نرى أن روسيا متورطة بتفاهمات مع الكيان الغاصب على حسابنا(نذكر أنه يوجد مليونا يهودي روسي في فلسطين المحتلة)، فتعطيه صلاحيات التمادي في ضرب سوريا متى شاء، شرط أن لا يصيب قواتها بسوء.
إن ما يجري في سوريا حالياً هو ثمرة الحصار والتجويع، وهو المرحلة ما قبل الأخيرة للخطة الأميركية الهادفة إلى تقسيم سوريا إلى خمس دويلات طائفية وإثنية؛ سنية، علوية، كردية، مسيحية، وغيرها، ثم إهداء ما يتبقى منها لتركيا على سبيل الترضية المؤقتة قبل الانتقال إلى تقسيم تركيا لاحقاً.
ولكي لا أطيل في الكلام، يمكن لنا أن نرى الحل الوحيد حالياً لإنقاذ أنفسنا وإنقاذ سوريا من المؤامرة، إن أردنا ذلك، يبدأ بتقديم إغاثة سريعة وفورية لسوريا دون أي تأخير، لأن سوريا هي المدخل الأساسي لضربنا وهي الخاصرة الرخوة للمحور. وهذه الإغاثة هي ذات شقين:
الشق الأول عسكري ويقضي بتكثيف تواجد قوات المحور بأقوى ما تستطيع، ومحاصرة القواعد الأميركية في المنطقة ومنع حتى الهواء عنها. وتحريك السكان للبدء بعمليات استشهادية وعمليات مقاومة ضد القوات الأميركية في سوريا والمنطقة.
والشق الثاني، الذي يجب أن يترافق مع الشق الأول، هو تقديم هبة عاجلة للدولة السورية بأكثر من عشرة مليارات دولار(وهذا ما كتبنا عنه منذ بدايات الأزمة السورية عام 2011، ولكن للأسف لا رأي لمن لا يُطاع). يمكن لسوريا بهذا المبلغ أن تفك أزمات شعبها المعيشية وتسحب الذريعة من المتدخلين والراشين والمرتشين، وأن تقوم بمشاريع إنتاجية وإنمائية في كل الأراضي السورية. ومن الضروري أن تبدأ الدولة السورية بتطبيق الإنماء العاجل بواسطة ال BOT بمساعدة الدول الصديقة في منظمة البريكس ودول المحور. فإذا كان لبنان يجبن عن التوجه شرقاً، فما المانع أن تُسَرِّع سوريا توجهها نحوه خاصةً وأن قراراتٍ هامة جداً قد اتُخِذت في دول البريكس تجعلها تنتصر بها على حصار البترودولار.
المطلوب أيضاً القيام بحملة قانونية عالمية لرفع دعاوى قضائية ضد التعديات الاميركية على سوريا وسرقة نفطها وثرواتها كما ثروات العراق وليبيا والوطن العربي قاطبةً.
إن ذلك هو برسم قيادات المحور وبرسم المؤتمر القومي العربي.. إنه أكثر من عاجل ولا يحتمل التأجيل. إلى متى سنبقى في موقع المتلقي للمؤامرات فلا نتحرك إلا بعد حصول الكارثة فتكون النتيجة تكبيد مجتمعنا خسائر أكبر ومآسي وويلات أكثر، ويسقط من خيرة شبابنا شهداء أكثر نحن بأمَسِّ الحاجة إليهم أحياء؟