كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
إن من أهم مبادئ النيوليبرالية هي ثلاثة:
أولاً. أميركا هي ضرورة للعالم لكي تحفظ الأمن فيه. لذا يجب أن تبقى هي الأقوى ويجب أن تُدَمَّرَ كُلُّ قُوَّةٍ تُنافِسُها، خاصةً روسيا والصين(وإيران في غرب آسيا).
ثانياً. يجب تقسيم الدول العربية والإسلامية إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة.
ثالثاً. يجب تكسير حدود الأوطان وفتحها أمام ثلاثة أمور؛ النازحين، البضائع، ورأس المال.
من هنا تأتي مسألة ما يجري من ضغوط غربية لإبقاء النازحين السوريين في لبنان وتركيا وغيرهما من دُوَل انتشارِهِم، فعلاوةً على ما يُخَطَّطُ لِقَضِيَّتِهِم مِن تَغيِير ديمغرافي في الدول التي يتواجدون فيها، يُخَطَّطُ لها أيضاً أن تخلق العداوة بين النازحين السوريين وغيرهم من مُواطِنِي الدُوَلِ التي يتواجدون فيها، ما يُسَهِّلُ الـمَساعِي التَقسِيمِيَّة الواردة في المبدأ الثاني من مبادئ النيوليبرالية، وَيُمَكِّنُهُم من إشعال حروبٍ داخلية، وفي لبنان يشترك في الحرب الداخلية بَعضُ السوريين الـمُستَقدَمين مِن مُعَسكَراتِ التَدريب الجارية حالِيّاً في بعض الدول العربية تحضيراً لساعة الصفر، وبعضُ النازحين المتواجدين حالياً في لبنان. ولكنَّ ذلك لا يعني أن كُلَّ النازحين متورِّطين في تلك المؤامرة، ولا يعني بالتالي أنه يحق لنا أن نَحمِلَ عَلَيهِم ونُحَمِّلهم وِزرَ ما لم تصنعه أيديهم.
تَعصِفُ في لُبنانَ حَملَةٌ شَعواءَ عَلى النازحين السوريين، تقومُ بها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي(التي باتت وسائل تواصل غير اجتماعي)، وتشارِكُ فيها المنابر الخطابية والمؤتمرات الصحافية والحملات الشعبية والمقابلات والمناظرات التلفزيونية والإجراءات البلدية، والسهرات العائلية وغيرها. الكُلُّ يَتَكَلَّمُ عَمَّا يُسَمُّونَهُ مخاطِر النزوح السوري في لبنان، والبعض يذهب إلى القول أن السوريين يَبتَلِعونَ مَوارِدَ رِزقِ اللُّبنانِيين وأنَّهُم سَبَبُ بَطالِتِهِم وانعِدامِ رِزقِهِم وإِلى ما هنالِكَ مِن تَهويل وَنشرِ الرُّعبِ مِن وُجودِهِم، ثم يتناولون مسألة الوِلاداتِ الـمُتكاثِرة للسوريين وتهديدها للوضع الديمغرافي اللبناني.
الطريف بالأمر أن أكثر الفرقاء اللبنانيين حتى الـمُتَنافِرينَ أصلاً حول قضية النازحين، يتفقون بجوهر لهجتهم على نفس النقاط التي يعتبرونها خطيرة على لبنان. وهذا الاتِّفاق من ضمن التنافر، هو دليلٌ إِضافِي على انفصام الشخصية اللبنانية وعلى ارتباك الأداء اللبناني تجاه هذه القضية وتجاه غيرها من القضايا.
لقد وَصَلَ الأمر ببعض الأوساط إلى حدِّ التحريض على العنف ضد النازحين بقصدٍ أو بدون قصد، حتى أنَّ مجرد الضوضاء حول الموضوع هو كفيلٌ بالتحريض، بشكلٍ يلامس العنصرية ويؤسس لأمر خطير قد خططت له القوى التي أشعلت الحرب السورية وسَبَّبَت النزوح السوري وتضغط حالياً لإبقاء السوريين حيثُ هُم، وتُحَرِّضُ بنفس الوقت، بشكلٍ سري، بعض الأطراف اللبنانية على السوريين الموجودين في لبنان، وتهيِّءُ بعض السوريين لأمرٍ جَلَل. وصلت الأمور إلى أن بعض البلديات تقوم ب بإقفال محلات تجارية للسوريين أو طَردِهِم مِن أَماكِنِ تَواجُدِهِم أَو مَساكِنِهِم أو مَتاجِرِهِم، وهذا يؤَجِّجُ المزيد من الأحقاد ويدفع بالسوريين إلى السلوك الخاطئ(مع العلم أن بعض البلديات تقبض من منظمة الأمم المتحدة مقابل عدم التحرُّك ضد النازحين).
كلمة السر التي لم يكتشفها الـمُحَرِّضُون على النازحين ولا المتعاطفون معهم، ولم تكتشفها الحكومة اللبنانية المرعوبة من الاقتراب من سوريا، قالها سماحة السيد حسن ن_ص_ر_ا_ل_ل_ه في خطابه الأخير، ولكن لم يَتَلَقَّفْها الـمَعنِيُّونَ بعد، وهي تحويل قضية النازحين إلى كُبَّةِ لَهَبٍ تتدحرج وتَكبُر إلى وَقتِ اللُّزوم، وهي كُبَّةُ لَهَبِ العِداءِ بين اللبنانيين والسوريين. الـمُلاحَظ أَنَّ الأُمورَ تَتَطَوَّر، بفعل فاعل، وبأجندة موضوعة من قبل نفس الجهات التي أضرمت نار الحرب في سوريا وتتابع حصارها والحرب عليها. فنسمع بين الفينة والفينة، عن عمليات متنقلة بين المناطق اللبنانية، وفي بيئاتِ كُلِّ الطوائف؛ عمليات سرقة أو قتل أو خطف أو اغتصاب، أو ضبط أسلحة وقذائف ومتفجرات، ، وغيرها وغيرها، يقوم بها عصابات أو أفراد يكون بينهم سوريون أو يكونون فقط من السوريين. وكل ذلك يصُبُّ في خانة الفصل الطائفي والعنصري.
دونَ أن نَدخُلَ في جَدَلِيَّةِ أَنَّ أَغلَبَ الأعمالِ الـمِهَنِيَّة التي يقوم بها السوريون في لبنان، يستنكف اللبنانيون عن مُزاوَلَتِها، وأكثر من ذلك، إن السوريين يُتقِنُونَها أكثر من الكثيرين من اللبنانيين الذين للأسف، يُعطونَ أَنفُسَهُم قِيمَةً أكثر مما يستحقون، ويَظُنُّونَ أَنَّهُم أكبر قدراً من بعض التجارات أو بعض الوظائف والـمِهَن، مع أن مُؤَهَّلاتِهِم تُحَدِّثُ عنهم غير ذلك.
نحن نقول للشعب اللبناني وللسياسيين وللبلديات وللأحزاب ولكل المواطنين والمسؤولين من المعترضين على الوجود السوري في لبنان، نحن معكم، ونطالب مثلَكُم الأخوة السوريين بالعودة إلى بلادهم، فيَتَكافَلوا معها لإنقاذها من براثن الحصار والتجويع والتدمير الذي تتعرض له، ونطالب الدولة اللبنانية المتخاذلة لأن تكون أكثر جرأة في حُسنِ التصرف بهذه القضية. ولكن اسمحوا لنا أن نقول لكم، ليس هكذا تورَدُ الإبِل أيها السيدات والسادة. نحن لا ننفي المخاطر الناجمة عن وجود النازحين في لبنان، ولكن، كما أنَّ قرار تهجير السوريين لم يُتَّخَذ في دِمَشق وَلا في بيروت، وأن قرارَ بَقائِهِم أيضاً لَم يُتَّخَذ في دمشق ولا في بيروت، فإنَّ قَرارَ عَودَتِهِم إلى بلادهم على العكس من ذَلِك، لا يُتَّخَذُ إلا في دمشق وبيروت، وهاتان العاصمتان يمكنهما اتخاذ القرار الذي يتغلَّب على كل قرارات ما يُسَمَّى زوراً وتزييفاً بالمجتمع الدولي. من ناحية دمشق، لقد قامت بالمتوجب عليها، والكُرَةُ هي الآن في ملعب بيروت التي تَقِفُ خائفة من الوقوف بوجه من يريد تدميرها، برغم وجود كل القوة بين يديها. فالـمُتَوَجِّب إذن على حكومة لبنان أن تتحلَّى بالجرأة ولو مرَّة في تاريخها، وتقول لا للاتحاد الأوروبي ولا للسفارة الأميركية ولكل سفارات الحلف الأطلسي وكل التابعين لهم الذين يعبثون بأمن البشر وحياتِهِم ولقمة عيشهم.
لكي نكونَ مُنصِفين المطلوب من الدولة اللبنانية، ومن الشعب اللبناني ومن كُلِّ مؤسساته وكياناته، أن يعيدوا ترشيد تصرفاتِهِم تجاه النازحين السوريين، وأن يكونوا أكثر عقلانية ويعيدوا حساباتهم للأسباب الآتية:
1. إن الحملة التي تحصل ستؤدي إلى نشوء حالة عداء خطيرة بين الشعبين الشقيقين اللبناني والسوري، وهذا ما يجب أن لا يحصل، وينبغي عدم السكوت عنه وعدم السماح به وطنياً، ، لأنه يخدم الهدف الأساس للنيوليبرالية الغربية بتقسيم الدول العربية ومنها لبنان وسوريا، على قاعدة طائفية ومذهبية وعرقية.
2. إن نسبة التجاوزات التي تحصل من بعض النازحين هي نسبة ضئيلة قياساً بِحَجمِ النازحين، والكثير من هذه التجاوزات يحصل بمشاركة بعض اللبنانيين أو بتدبير منهم لتأمين مصالحهم الشخصية غير النظيفة.
3. إن النازحين السوريين كما المواطنين اللبنانيين، هم ضحايا المخطط الذي ما زال ساري المفعول ضد سوريا والعرب، وهم ضحايا تنظيم داعش الإرهابي، وكون بعض النازحين منخرطين في هذا التنظيم لا يُخَوِّلُنا أن نعمِّمَ الإدانة على كلِّ النازحين.
4. إن قبض النازحين رواتب من الهيئات الأممية بالعملة الصعبة، لا يُحَمِّلُهُم وِزرَ ما يحصل، لأنهم ليسوا هم سبب حصوله بل هي الهيئات الأممية نفسها، ولو حصل ذلك تجاه اللبنانيين أو تجاه أي شعبٍ آخر فسيفعل ما يفعلونه، والشواهد كثيرة على ذلك. وإذا كانت المنظمات الدولية والأوروبية ودول الخليج تدفع للنازحين ٢٧٠ مليون دولار شهرياً، فمن يا ترى يستحق النقمة من قِبَل اللبنانيين؟ هل هم النازحون الذين يتم إغراؤهم، أم الجهات التي تغريهم لكي يبقوا عندنا؟
إذن الخطوة التي يجب عليكم اتخاذها هي الضغط على حكومة لبنان أن تضرب في الأرض قدَمَها وتلتقي مع الحكومة السورية على أعلى المستويات للبدء بحل أزمة النازحين، ثم أن تقوم بوضع حدٍّ لتَدَخُّلِ الدُوَل والمنظمات الـمُمَوِّلَة لبقاء النازحين في لبنان وإلزامها باتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف تمويلِها هذا ووقف إغراق لبنان في أُتون الأزمات والكوارث. إن فَصلَ الكلام هو في العودة إلى كلمة السرِّ في فصل الخطاب الذي صدر عن سماحة السيد ن_ص_ر_ا_ل_ل_ه، أي العمل على حل الأزمة دون خلق حالةٍ من العداء بين الشعبين الشقيقين. أما من لا يستسيغُ مصدر كلمة السر هذه، فليَعُد إلى العقل والمنطق وحقوق الإنسان الحقيقية وليس حقوق البروباغندا الغربية. بغير هذا لن يكون هناك أي حل لقضية النازحين السوريين، وسيكون على لبنان وسوريا السلام.