| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي
يشهد جنوب لبنان في المرحلة الراهنة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة التوتر العسكري، مع دخول وسائل قتالية جديدة إلى ساحة المواجهة من جانب المقاومة الاسلامية أبرزها ما يُعرف بـ”المسيّرات السلكية” ذات الالياف البصرية “فايبر اوبتك”..
هذا التطور في ميدان القتال يعكس تحوّلًا في طبيعة الصراع، حيث لم يعد الاعتماد محصورًا بالأسلحة التقليدية فحسب، بل باتت التكنولوجيا تلعب دورًا مركزيًا في إدارة المعارك.
من هنا يتضح لنا انا التكتيك العسكري للمقاومة اعتمد على سياسة التوجه نحو مسار قتالي مختلف عما سبق، قد يُعرف بالعودة الى حرب ٨٢ بتطوير ٢٠٢٦.. مع الاعتماد على تقنية الرصد والكمائن واستخدام المسيّرات السلكية..
هذه المسيرة هي نوع من الطائرات بدون طيار يتم توجيهها عبر سلك متصل بالمشغّل، بدل الاعتماد على موجات الاتصال اللاسلكية. وهذا الأسلوب يمنحها ميزة أساسية تتمثل في صعوبة التشويش عليها أو اختراقها إلكترونيًا، وهو ما يجعلها فعالة في بيئة مشبعة بالحرب الإلكترونية، كما هو الحال في مواجهة جيش العدو الإسرائيلي.
ففي جنوب لبنان، حيث تتداخل الجغرافيا المعقدة مع الواقع الأمني الحساس، توفر هذه المسيّرات قدرة على تنفيذ عمليات دقيقة، سواء في الاستطلاع أو الاستهداف المباشر مع تقنية التصوير بجودة عالية.
كما أنها تُستخدم في بيئات قريبة نسبيًا من خطوط التماس، نظرًا لمحدودية طول السلك الذي يربطها بالمشغّل والذي تم تعديل مداه عبر المقاومة الاسلامية في لبنان. ومع ذلك، فإن فعاليتها في تقليل احتمالات الرصد أو التعطيل تجعلها أداة لافتة في تكتيكات القتال الحديثة.
في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي تطوير وسائل مضادة دون جدوى.
هذا التفاعل بين التقنيات المختلفة يضيف بُعدًا جديدًا إلى الصراع، حيث لم تعد المواجهة تعتمد فقط على التفوق العددي أو الناري، بل أيضًا على الابتكار التكنولوجي.
اما بمفهوم التشغيل نجد ان رامي الـ FPV ليس مجرد مقاتل يحمل جهاز تحكم. إنه “قناص بأبعاد ثلاثية”.
الرامي هنا هو شاب جامعي، مثقف، يمتلك مستوى هائلاً من الإدراك المكاني (Spatial Awareness) والتآزر الحركي البصري.
يتميز بـ “أعصاب جليدية”، تركيز نقطوي لا يتشتت، و”طاعة عمياء” للأمر العسكري.
يجب أن يمتلك القدرة على المناورة بين الأشجار والمباني بسرعة جنونية، واتخاذ قرار القتل في أجزاء من الثانية.
وهذا السلاح لا يحتاج فقط إلى شجاعة.. يحتاج إلى عقل رياضي وهندسي فذّ.
“2006 مقابل 2026: جيل يسلم جيل..
في حرب تموز 2006، أبهرت المقاومة العالم بـ “رماة الكورنيت”؛ شباب أصحاب تركيز خارق، استطاعوا إذلال دروع الميركافا وتحويلها إلى توابيت.
اما اليوم في 2026، نحن أمام “النسخة المحدثة” من هؤلاء الأبطال… جيل التكنولوجيا، طلاب الجامعات والمهندسين، الذين ورثوا عقيدة رماة 2006، لكنهم استبدلوا الصاروخ الحراري بمُحلّقات الألياف البصرية.
بالأمس دمروا الحديد.. واليوم يصطادون النخبة.
وهنا يمكن القول إن استخدام المسيّرات السلكية في جنوب لبنان يعكس تحولًا في قواعد الاشتباك، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع، تتداخل فيها التكنولوجيا مع الجغرافيا والسياسة في القتال وخبرة المقاوم بالمناورة في ظل ظروف صعبة.. لنكون امام مقاومة مُتجددة من حيث التطور والقدرة على الابداع وخلق توازنات تردع جيوش مدججة بأحدث وسائل القتال الحديث وهذا ما يحدث اليوم في جنوب لبنان.