بين المباغتة والصمود المستمر..

قراءة تحليلية في حدود التكنولوجيا الإسرائيلية وقوة إحتواء المقاومة معركة أولي البأس 2024 نموذجاً .*

| أبو الفضل عباس |

شكّل العدوان الإسرائيلي على لبنان في أيلول 2024 محطة مفصلية في مسار المواجهة بين إسرائيل والمقاومة الإسلامية في لبنان. فقد راهنت إسرائيل على ضربة أمنية وعسكرية شاملة تبدأ بعامل المباغتة والتكنولوجيا المتقدمة، بهدف تحقيق حسم سريع يُفضي إلى القضاء على المقاومة أو إخضاعها. غير أن مجريات الميدان كشفت عن فجوة جوهرية بين حجم الضربة الأولى ونتائجها الاستراتيجية.
سنحاول في هذا المقال تفكيك بنية هذه المواجهة، ونحلل نقاط القوة والضعف لدى كل من إسرائيل والمقاومة، وموقع التكنولوجيا في المعادلة، وفق منهجية وصفية تحليلية.

أولاً: قوة الضربة الأمنية الإسرائيلية في 2024 .
استندت الضربة الإسرائيلية إلى جملة من العوامل التي منحتها زخماً أولياً كبيراً:
1. عامل المباغتة، إعتمدت إسرائيل على مفاجأة المقاومة بتوقيت الضربة وكثافتها، مما أفقدها القدرة على الاستعداد المسبق مع العلم أن المقاومة كانت قد أخلت معظم مخازنها ومراكزها وإنتقلت الى مخازن الإحتياط أو الطواريء.
2.  ضخامة الضربة الأولى، تجلّت في نحو 1600 غارة في يوم واحد، وهو حجم غير مسبوق في تاريخ الحروب وتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي والصراع بين حزب الله وإسرائيل، استهدفت الغارات قيادات المقاومة ومقراتها وبنى تحتية تابعة لها.
3. الاختراق الاستخباري، استثمرت إسرائيل كل التقنيات المتوفرة في العالم للجمع المعلوماتي وشبكة معلومات ميدانية فورية ومخبرين ومعلومات لحظية، لاستهداف قيادات وأهداف ظرفية.
4. التفوق التكنولوجي الجوي، أسّست إسرائيل تفوقاً جوياً سمح لها بتنفيذ غارات دقيقة ومتكررة.
5. الاستهداف المركز، الموجّه ضد مراكز القيادة والسيطرة، بهدف شلّ القدرة التنظيمية للمقاومة.
هذه العوامل مجتمعة منحت إسرائيل في الأيام الأولى انطباعاً بالقدرة على الحسم، ولكن يبقى السؤال هل تمكنت إسرائيل من الحسم ؟ .

ثانياً: نقاط ضعف الضربة الأمنية الإسرائيلية في 2024 .
رغم قوة الانطلاق بالضربة 1600 غارة في أقل من 24 ساعة، ظهرت ثغرات جوهرية أضعفت أثر الضربة:
1. استنفاد رصيد الأهداف، بعد الضربة الأولى، فقدت إسرائيل “بنك الأهداف” الذي كانت تراهن عليه، فانتقلت إلى ضربات روتينية ظرفية أقل تأثيراً استراتيجياً.
2.  فقدان عامل المباغتة، بعد اليوم الأول، أصبحت الضربات متوقعة، مما قلّص من أثرها النفسي والميداني على المقاومة .
3.  الارتجال العملياتي، إسرائيل “عملت بقيت الأيام كلها ارتجالاً”، دون أهداف واضحة ومحددة، ما يعني غياب خطة استراتيجية واضحة لما بعد الضربة الأولى.
4.  العجز عن الحسم البري والبحري، لم يتحرك الإسرائيلي بحراً، ما حال دون إثبات قدرته على القضاء على سلاح البحر أو تحقيق نصر بري حاسم.
5. فشل السردية الإسرائيلية، الضربات لم تُترجم إلى نتائج ميدانية تُبرّر ادعاءات النصر، ففقدت السردية مصداقيتها.

ثالثاً: نقاط قوة المقاومة في احتواء الضربة الأمنية، أظهرت المقاومة قدرة على امتصاص وإحتواء الصدمة الأولى والاستمرار في المواجهة:
1.  اللامركزية القيادية، أبدعت المقاومة بالإحتواء، رغم فقدان القيادة العسكرية المركزية، ما يدل على بنية تنظيمية صلبة ووجود بدائل.
2. استمرار القصف الصاروخي، بقيت الصواريخ تنطلق بكل أنواعها نحو المستوطنات والأراضي المحتلة ولاسيما إستهداف مدينة حيفا في 23-09-2024 أي نفس يوم الضربة الكبرى للبنان.
3.  فاعلية القوة الجوية المقاومة، التي استمرت في العمل وتغلّبت على سلاح الجو الإسرائيلي طوال فترة الحرب، ووصلت الى منزل نتنياهو في قيساريا ومنزل قائد سلاح الجو الإسرائيلي ونفذت العديد من العمليات طوال فترة الحرب.
4. صدّ العدوان برّاً، نجحت المقاومة في إدارة مواجهة برية دون إنهيار، ومنعت 5 فرق برية من إحتلال أي قرية على الحدود وشهدت مدينة الخيام أعنف المعارك وهناك سقطت الفرقة 36 وتلقت ضربات موجعة أجبرتها على الإنسحاب .
5. التعلّم من التجارب، أستفادت المقاومة من حرب الـ66 يوماً (معركة أولي البأس) لاستخلاص دروس تُحصّن أداءها لعشرات السنين.

رابعاً: نقاط ضعف المقاومة في احتواء الضربة الأمنية، رغم الصمود، لم تكن التجربة خالية من الثغرات:
1. فقدان القيادة المركزية، ضربة موجعة للبنية القيادية، وإن لم يُسقط التنظيم وتم تأمين البدائل سريعاً.
2. الاعتماد على بنك أهداف ثابت، تعرّضت البنى التحتية للمقاومة لضربات مكثفة في اليوم الأول.
3. التحدي الأمني، اختراقات استخبارية إسرائيلية ( شبكة الإتصالات والحواسيب وكاميرات الطرقات والمباني ) ، أوقعت خسائر في الصفوف القيادية.
4. محدودية الردع الجوي، لم تستطع المقاومة مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي بندّية، بل اكتفت بالاستمرار في القصف.

خامساً: كيف احتوت المقاومة الهجوم الإسرائيلي الكبير؟ في 23-09-2024 .
احتوت المقاومة الهجوم عبر ثلاث آليات:

1.  الصمود البنيوي: اللامركزية جعلت استهداف القيادة لا يعني انهيار القدرة القتالية، وكانت الكلمة الحسم للقادة الميدانيين وفق خطط وسيناريوهات محضرة مسبقاُ للتعامل مع كافة الحالات المستجدة.
2. الاستمرارية النارية، القصف الصاروخي المتواصل أبقى الضغط على الداخل الإسرائيلي، خصوصاُ على حيفا وتل أبيب في 24-11-2024 الأحد الأسود على الكيان، حيث إستهدفت المقاومة تل أبيب بي 20 صاروخ بعيد المدى ما دفع القيادة العسكرية الى الطلب من القيادة السياسية وقف القتال وهذا ما حصل في 27-11-2024 .
3. إدارة المعركة الإعلامية والنفسية، كشفت عجز إسرائيل عن تحقيق أهدافها، مما أضعف السردية الإسرائيلية.

سادساً: ضعف التكنولوجيا في القضاء على المقاومة
كشف العدوان أن التكنولوجيا رغم تفوقها لم تستطع تحقيق الحسم:
1.  التكنولوجيا لا تصنع شرعية الاحتواء، القدرة على الضرب ليست قدرة على الإخضاع، أو ربح المعركة وإستمرار الرمايات الصاروخية والمُسيرات أضعف من قدرة التكنولوجيا الإسرائيلية على الحد من الضربات وإحتوائها وتوقفها نهائياُ وشكلت ضربة تل أبيب ب 24-11-2024 ( الأحد الأسود )، نقطة حاسمة بفشل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي في ساحة المعركة .
2.  المقاومة اللامركزية تتفوق على الاستهداف المركزي، استهداف القيادة لا يعني إسقاط التنظيم، الذي بقي يعمل لمدة 66 يوماً وبتصاعد تدريجي وتفوق بري واضح .
3.  الاستنزاف يعمل ضد صاحب التكنولوجيا، إسرائيل التي راهنت على الحسم السريع خلال اليوم الأول وجدت نفسها في حرب استنزاف، لمدة 66 يوماُ دون تحقيق أي منجز ميداني واحد أو إحتلال قرية حدودية واحدة.
4. الإعلام والسردية عاملان حاسمان، فشل السردية الإسرائيلية أفقد التكنولوجيا قيمتها الرمزية.

سابعاً: إيجابيات وسلبيات التكنولوجيا الإسرائيلية

الإيجابيات:
1. دقة الاستهداف وتحديد الأهداف الظرفية.
2. القدرة على تنفيذ ضربات متزامنة واسعة.
3. التفوق الجوي والاستخباري.
4. إرباك المقاومة في اليوم الأول.

السلبيات:
1. عدم القدرة على ترجمة الضربة الأولى إلى نصر استراتيجي عسكري وسياسي .
2. الاعتماد المفرط على المعلومات اللحظية جعل الضربات ظرفية لا استراتيجية.
3. العجز عن مواجهة اللامركزية للمقاومة، والدخول في حرب إستنزاف لمدة 66 يوماً.
4. فقدان المباغتة بعد اليوم الأول، ولاحقاُ فقدان السيطرة الميدانية .
5. فشل التكنولوجيا في كسر إرادة المقاومة أو إنهاء قدرتها على القصف.

بالخلاصة
يكشف التحليل أن الضربة الأمنية الإسرائيلية في 2024، رغم قوتها الأولية، لم تحقق أهدافها الاستراتيجية. فقد أظهرت المقاومة قدرة على امتصاص الصدمة والاستمرار في المواجهة، بينما عجزت التكنولوجيا الإسرائيلية عن ترجمة تفوقها إلى حسم. الدرس الأبرز هو أن الحسم لا يصنعه السلاح وحده، بل الإرادة والبنية والاستراتيجية. وقد خرجت المقاومة من هذه التجربة بدروس كافية لعشرات السنين، بينما خرجت إسرائيل بسردية فقدت مصداقيتها.