بين امريكا واسرائيل “عقدة” تركية

كتبت صحيفة “البناء”: «أوروبا تناقش كيف تعيش بلا أميركا، بينما تناقش أميركا كيف تعيش بلا أوروبا».

و«ليست الخشية في «إسرائيل» من إيران، بل من أن يصبح رجب طيب إردوغان الرجل الذي تتصل به واشنطن أولاً».

معادلتان رسمتهما مقالات أميركية وإسرائيلية عشية انعقاد قمة الناتو في أنقرة، تختصران أكثر من أي بيان رسمي حقيقة المأزق الذي يواجه الحلف. فالقضية لم تعد زيادة الإنفاق العسكري، ولا توزيع الأعباء بين ضفتي الأطلسي، بل السؤال عمن يرسم أولويات الغرب إذا لم تعد أولويات واشنطن هي أولويات أوروبا، وإذا أصبحت تركيا مرشّحة لتكون الشريك الإقليمي الأول للولايات المتحدة في إدارة ملفات إيران وأوكرانيا والشرق الأوسط.

في المقالات الأميركية والأوروبية حضرت فكرة «الإشباع الاستراتيجي» لتفسير التحول الأميركي. لم تعُد واشنطن، وفق هذه القراءة، قادرة أو راغبة في إدارة كل الجبهات دفعة واحدة: أوكرانيا، إيران، الصين، أمن أوروبا، وأسواق الطاقة. لكن الوقائع بدت أبلغ من التحليل؛ فقد خاضت الولايات المتحدة حرب إيران خارج الناتو، ثم ذهبت إلى التفاهم مع طهران خارج الناتو أيضاً، وتفاوضت في ملفين يُفترض أنهما من صلب اهتمامات الناتو: البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز. وفي الوقت نفسه بقي الحلف مشدوداً إلى أوكرانيا، حيث ترى أوروبا الحرب مسألة وجودية، بينما تتعامل معها واشنطن كملف يجب احتواؤه لا تحويله إلى استنزاف مفتوح.

من هنا لا تبدو قمة أنقرة قمة لإنقاذ الناتو بقدر ما تبدو قمة لما بعد الناتو. تركيا، الدولة المضيفة، لا تتصرف كعضو ينتظر التعليمات من الحلف، بل كقوة تعرض على واشنطن شراكة بديلة: حماية التفاهم مع إيران، فتح طريق مع روسيا في أوكرانيا، وضبط انفجارات الشرق الأوسط. وهذا ما تلتقطه الصحافة الإسرائيلية بقلق واضح؛ فالمشكلة في تل أبيب لم تعد فقط أن إيران خرجت من الحرب متماسكة، بل إن تركيا قد تخرج من القمة بوصفها الرقم الذي تطلبه واشنطن أولاً عندما تبحث عن تسوية لا عن حرب.

لذلك يتحرك بنيامين نتنياهو قبل لقائه دونالد ترامب وكأنه يخوض معركة منع انتقال مركز الثقل. «إسرائيل» كانت شريك أميركا في بداية الحرب على إيران، أما تركيا فتقدم نفسها شريك نهايتها. نتنياهو يريد إعادة واشنطن إلى السؤال القديم: من وقف معكم في الحرب؟ أما أنقرة فتطرح السؤال الجديد: من يستطيع أن يساعد في احتواء نتائجها؟ وبين السؤالين تتحدد وجهة السياسة الأميركية المقبلة؛ فإذا قررت واشنطن العودة إلى منطق الحرب، بقيت «إسرائيل» الشريك الطبيعي، أما إذا قررت البناء على التفاهم مع إيران، وضمان استقرار هرمز، وفتح ثغرة في جدار أوكرانيا، فإن تركيا تصبح شريكاً لا يمكن تجاوزه.