دفتر سوق رسمي أم ورقة بلا قيمة؟.. مواطنون أمام فخّ لم يصنعوه»

| خاص | شبكة جبل عامل الاعلامية

مستندات سُلّمت للمواطنين على أنها رسمية، ثم ظهرت علامات استفهام حول صلاحيتها.. فهل يدفع المواطن ثمن خلل إداري أم ضحية عمليات تزوير؟

ليست المشكلة في لبنان أن المواطن يواجه صعوبة في إنجاز معاملاته الرسمية فحسب، بل إن المقلق أن يجد نفسه أحيانًا أمام تبعات لمشكلة لم يكن طرفًا فيها، بعدما أنجز معاملته عبر القنوات الرسمية، ودفع الرسوم المطلوبة، وتسلم المستندات التي يفترض أنها قانونية وسارية المفعول.

وفي هذا السياق، تبرز في الآونة الأخيرة قضية تستدعي التوقف والتحقيق، تتعلق بوجود حالات لدفاتر سوق من النموذج القديم، قيل إنها سُلّمت إلى مواطنين على أنها مستندات رسمية وصالحة، قبل أن تظهر لاحقًا علامات استفهام حول صحتها وقيمتها القانونية.

المعلومات المتداولة تشير إلى أن بعض هذه الحالات ظهرت عند محاولة أصحاب دفاتر السوق متابعة معاملاتهم أو تجديدها، ليجد المواطن نفسه أمام واقع لم يكن يتوقعه: المستند الذي بحوزته، والذي حصل عليه عبر جهة رسمية، لم يعد مقبولًا أو تبيّن أنه لا يستوفي الشروط المطلوبة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالمواطن الذي لم يزوّر مستندًا، ولم يقدم معلومات غير صحيحة، ولم يتجاوز الإجراءات المطلوبة، يجد نفسه مطالبًا بإعادة تكوين ملف جديد وتحمل تكاليف إضافية للحصول على دفتر سوق آخر، تحت طائلة أن يصبح في وضع مخالف في حال لم يُصحّح وضعه.

فهل يعقل أن يتحول المواطن من صاحب حق إلى طرف يتحمل مسؤولية خلل لم يرتكبه؟

أين كانت الرقابة؟

القضية تفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة من الجهات المعنية.

إذا كانت هذه الدفاتر قد صدرت فعلًا عن جهات رسمية، فمن يتحمل مسؤولية إصدارها؟ وكيف مرت عبر مراحل التدقيق والرقابة؟ وإذا كانت مزورة، فكيف تمكن أصحابها من الحصول عليها أصلًا، ومن أين دخلت إلى مسار المعاملات الرسمية؟

والأهم: لماذا يتحمل المواطن اليوم كلفة تصحيح وضعه بدلًا من أن تتحمل الجهة المسؤولة تبعات الخطأ؟

فالمنطق الإداري والقانوني يفترض أن المواطن الذي تعامل بحسن نية مع مؤسسة رسمية، واستحصل على مستنداته وفق الإجراءات المعتمدة، لا يجوز أن يجد نفسه فجأة أمام أعباء مالية وإدارية جديدة بسبب خلل لم يكن له يد فيه.

المطلوب تحقيق لا تحميل للمواطن

المسألة لا تحتاج إلى حلول ترقيعية أو مطالبة المواطنين بدفع رسوم جديدة فحسب، بل إلى تحقيق جدي يكشف حقيقة ما جرى، ويحدد المسؤوليات، ويبيّن ما إذا كانت القضية ناتجة عن خطأ إداري، خلل في آليات الرقابة، أم عمليات تزوير منظمة.

وفي حال ثبوت وجود تزوير، فإن المسؤولية الأساسية يجب أن تقع على من قام به أو سهّل حدوثه، لا على المواطن الذي تلقى المستند باعتباره وثيقة رسمية.

كما أن معالجة الملف يجب أن تراعي أوضاع المواطنين الذين حصلوا على دفاتر السوق محل الإشكال، بحيث لا يتحول تصحيح الخلل إلى باب جديد لاستنزافهم ماليًا وإداريًا.

أسئلة برسم الجهات المعنية

القضية اليوم باتت تحتاج إلى موقف واضح وشفاف:

هل توجد دفاتر سوق من النموذج القديم تبيّن عدم صلاحيتها بعد تسليمها للمواطنين؟

كم يبلغ عدد الحالات التي تم اكتشافها؟

كيف وصلت هذه الدفاتر إلى أصحابها؟

هل فُتح تحقيق رسمي لتحديد المسؤوليات؟

من يتحمل الرسوم والتكاليف التي قد تترتب على المواطنين المتضررين؟

وهل هناك آلية واضحة لحماية المواطنين الذين حصلوا على مستنداتهم عبر القنوات الرسمية؟

هذه الأسئلة ليست اتهامًا لأحد، بقدر ما هي حق مشروع للمواطن في معرفة الحقيقة.

فالدولة مطالبة بحماية مواطنيها، لا أن تضعهم أمام خيار دفع المزيد من المال لتصحيح أخطاء لم يرتكبوها.

وفي بلد أنهكت فيه الأزمات جيوب الناس، يصبح من غير المقبول أن يتحول أي خلل إداري أو تقصير في الرقابة إلى فاتورة جديدة يدفعها المواطن.

المواطن ليس الحلقة الأضعف التي يمكن تحميلها المسؤولية عند اكتشاف الخلل.. ومن حقه أن يعرف: إذا كان الدفتر الذي تسلمه رسميًا غير صالح، فمن يتحمل المسؤولية؟ ومن يعيد إليه حقه؟