بقلم: إحسان عطايا
أن يرتقي طفل بعمر الورد، وهو في قمة السعادة يستمتع مع أقرانه وأسرته المدرسية خلال رحلة ترفيهية تربوية بحيويته المعهودة بين زملائه، فهذا يجسد معنى أن يتحول الفرح إلى حزن، وتتبدل البسمة بالدموع، والضحكات بالبكاء والعويل، وتصبح الملاهي مأتمًا، ويحل الألم والوجع بعد البهجة والسعادة، وتنكسر الأفئدة أيما انكسار بعد أن كانت مزهوة بالفرح والسرور…
لقد فجع أهل التلميذ محمد مهدي عباس صالح وزملاؤه ومدرسوه، وكل من عرفه ولم يعرفه، بفقده شهيدًا، وهو يلهو مع أقرانه سعيدًا بمن حوله… غير أنه تركهم فجأة في ذهول وصدمة لا يمكن أن تزول آثارها، أو تمحى من الذاكرة!
في اليوم التالي، حمل نعش الطفولة والبراءة على الأكف، في جنازة مهيبة، حيث شيعته حشود غفيرة إلى مثواه الأخير بالبكاء والدعاء وغصة الوداع…
بعد معرفة ما حدث، ورؤية بعض المشاهد المؤثرة، وجدت نفسي مندفعًا إلى الكتابة، لأرثي تلميذًا تعرض لحادث مأساوي خلال رحلة مدرسية تنظمها إدارة المدارس عادة للترفيه والتسلية، وتعزيز القيم الإنسانية النبيلة، والارتقاء بروح التعاون والمشاركة بين التلامذة… على الرغم من صعوبة الموقف المؤلم، وحجم المصيبة والفاجعة التي حلت بعائلته الصغيرة والكبيرة، ولا سيما أنني لا أعرفه عن قرب.
بصفتي تربويًّا مارست التعليم والإشراف والإدارة لأكثر من ثلاثة عقود، أفهم عبء المسؤولية الملقاة على عاتق الأهل والأسرة المدرسية، والتي تقوم على الشراكة بين البيت والمدرسة لتربية التلامذة وتعليمهم، وهم فلذات أكباد آبائهم وأمهاتهم، غير أنهم يصبحون بمثابة أبناء الهيئة الإدارية والتعليمية للمدرسة. وأفهم المشاعر التي يكنها المدرسون والمدرسات لأبنائهم التلامذة. وأفهم طبيعة العلاقة التي تحكم المدرس بتلميذه، ومدى حرصه عليه. وأفهم طبيعة العلاقة الإنسانية والأخوية التي تنشأ بين التلامذة أنفسهم… وبالتالي أستطيع الجزم بأن الحزن الذي تركه رحيل محمد مهدي كبير جدًّا في نفوس الجميع، وسيبقى اسمه حاضرًا على الألسنة، ورسمه منقوشًا على شغاف القلوب، وصدى صوته يتردد في المسامع… لن يغيب ذكره بعد أن شاع في الأرجاء.
سلام على روحه الطاهرة وهي تحلق في السماء…
سلام على روحه المشتاقة لروح والده الشهيد…
سلام على روحه النقية وهي تعانق أرواح الشهداء الذين سبقوه إلى جنان الخلد…
وأحر العزاء لوالدته وأخته وعائلته وأقاربه، وأصدقائه وزملائه، وجميع أفراد مدرسته وبلدته، وكل من فجع بفقده…
داعيًا الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، فهو طير من طيور الجنة، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.