كريم سعيد وحاكمية مصرف لبنان: مشروع مالي كارثي مفروض بضغط أمريكي؟

 

د. محمد حسن سعد

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، عين مجلس الوزارء كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان، هذا التعيين الذي يمكن إعتباره إستكمالاً لمسار الأزمة المالية بدلاً من حلها، إذ جاء هذا التعيين بناءٍ على رغبة ودعم رئيس الجمهورية جوزاف عون، وخلافاً لرغبة وتوجه رئيس الحكومة نواف سلام الذي عبّر عقب نهاية جلسة مجلس الوزراءعن تحفظه على تعيين سعيد، مضيفاً ان على الحاكم سعيد الالتزام بسياسة الحكومة المالية، ومنها الحفاظ على حقوق المودعين، وهذه نغمة احترف المسؤولين في السلطة على تصديرها للرأي العام عند كل إستحقاق، وطبعاً هذا لا يعني ان رئيس الحكومة حريص على تعيين من يجب ان يكون فعلاً في منصب الحاكم لإنتشال لبنان من محنته وأزمته، خاصة وان مرشح رئيس الحكومة لمنصب الحاكم يتماهى مع كريم سعيد برؤيته الكارثية للأزمة المالية والإقتصادية. وسبق تعيين سعيد إنتشار تقارير تشير إلى أن مشروعه المالي يحمل تداعيات كارثية على المودعين. فبدلاً من السعي لإستعادة أموال المودعين أو محاسبة المسؤولين عن الانهيار المصرفي، تستند رؤية سعيد إلى تحميل المودعين كلفة إنقاذ المصارف، عبر شطب نسبة ضخمة من ودائعهم وتحويلها إلى ديون عامة تتحملها الدولة.

لكن الأخطر من ذلك أن تعيين سعيد لم يكن مجرد قرار داخلي، بل جاء نتيجة ضغوط أمريكية واضحة لإستمرار السيطرة على القرار المالي اللبناني، وديمومة ضبط تحركاته الإقتصادية بما يتماشى مع المصالح الغربية عامة والأمريكية خاصة.

أولاًـــ مشروع مالي يكرّس الإفلاس على حساب المودعين

مع بدء كريم سعيد مهامه، تتزايد المخاوف من أن خطته لا تحمل رؤية إصلاحية حقيقية، بل تعزز إفلات المصارف من المحاسبة على حساب المودعين، فوفقاً لخطته التي نشرها في العام 2023 حول تعافي النظام المالي اللبناني عبر Equity Partners Growth gate فأن الحاكم كريم سعيد يدعو إلى شطب نسبة تصل إلى 80-90% من الودائع التي تفوق 100 ألف دولار، في عملية “هيركات” قاسية، ما يعني عملياً القضاء على مدخرات شريحة واسعة من اللبنانيين الذين وثقوا بالنظام المصرفي وأودعه جنى أعمارهم.

وبدلاً من محاسبة المصارف والمسؤولين عن الإنهيار المالي، يروج سعيد لحل يحمّل الدولة عبء إعادة رسملة المصارف، مما يعني أن المواطن سيدفع الثمن مرتين: مرة عندما يفقد أمواله، ومرة أخرى عندما يُفرض عليه المزيد من الضرائب والديون لإنقاذ النظام المصرفي المنهار. هذا السيناريو يتماشى بشكل كبير مع السياسات التي لطالما دفعت بها المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والتي غالباً ما تستهدف حماية النخب المصرفية والسياسية على حساب الفئات الشعبية.

اللافت أن سعيد يعارض بشدة مسألة رفع السرية المصرفية، وهو مطلب أساسي للإصلاح المالي وللكشف عن عمليات تهريب الأموال الضخمة التي جرت بعد 2019، هذه المعارضة تثير تساؤلات خطيرة حول مدى التزامه بمكافحة الفساد المالي وإعادة الأموال المنهوبة، أم أنه سيواصل التستر على المستفيدين من الانهيار الإقتصادي؟

ثانيا ـــ دور الولايات المتحدة في الضغط لفرض سعيد

لا يمكن النظر إلى تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان بمعزل عن الضغوط الخارجية، وعلى رأسها الضغوط الأمريكية، التي تسعى للسيطرة على المؤسسات المالية اللبنانية ضمن حساباتها الإقليمية، فالإدارة الأمريكية، التي تعتبر القطاع المصرفي اللبناني أداة رئيسية لمراقبة التحويلات المالية في المنطقة، أرادت شخصية يمكنها تنفيذ أجندتها، كما كان الحال مع الحاكم السابق رياض سلام نزيل سجن الخمسة نجوم، وليس شخصية وطنية مستقلة قادرة على إتخاذ قرارات لصالح الإقتصاد اللبناني، ووضعه على سكة التعافي والنهوض.

وقد دفعت واشنطن بقوة لتعيين كريم سعيد، معتبرةً أنه الشخص المناسب لفرض رقابة مشددة على التحويلات المالية ومتابعة تنفيذ العقوبات الأمريكية، لا سيما تلك التي تستهدف الأطراف السياسية التي تعارض النفوذ الأمريكي في لبنان، بعبارة أخرى، تريد الولايات المتحدة الأمريكية إستمرار مصرف لبنان تحت وصايتها، وليس مؤسسة مالية مستقلة تعمل لمصلحة الشعب اللبناني.

ثالثاً ـــ علاقة سعيد بمستشاري الرئاسة: نفوذ من خلف الكواليس؟

من العوامل المثيرة للجدل في تعيين كريم سعيد هو علاقته الوثيقة بأحد أبرز مستشاري الرئيس جوزاف عون، فاروج نيركيزيان، الذي لعب دوراً مؤثراً في الشؤون المالية للرئاسة. هذه العلاقة تثير تساؤلات حول مدى إستقلالية سعيد في إتخاذ القرارات، أم أنه سيكون مجرد إمتداد للنفوذ السياسي داخل المصرف المركزي.

علاقة سعيد بنيركيزيان لم تنشأ حديثاً، بل تمتد إلى سنوات عبر مجالس إدارة مشتركة في شركات إستثمارية، وهو ما يعزز المخاوف من أن يكون المصرف المركزي، في ظل قيادته، خاضعاً لأجندات شخصية وسياسية بدلاً من أن يعمل كمؤسسة مستقلة لإنقاذ الإقتصاد اللبناني.

رابعاً ـــ ما الذي ينتظر لبنان في ظل قيادة كريم سعيد لمصرف لبنان؟

مع تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان، تبدو السيناريوهات المقبلة حاسمة لمستقبل الإقتصاد اللبناني والمودعين:

1 ـــ إقرار خطة شطب الودائع: رغم موافقة الحكومة على مشروع قانون لرفع السرية المصرفية، لا تزال خطة شطب الودائع المطروحة من قبل سعيد تشكل خطراً كبيراً على المودعين، حيث قد يتم إجبارهم على تحويل ودائعهم إلى سندات طويلة الأجل، مما يطيل أمد أزمتهم بدلاً من حلها.

2 ـــ تحميل الدولة مسؤولية إنقاذ المصارف: من المتوقع أن تُلزم الحكومة بضخ أموال هائلة لإنقاذ المصارف، ما سيؤدي إلى إرتفاع الدين العام بشكل كارثي، وقد يفرض ذلك إجراءات تقشفية جديدة على المواطنين.

3 ـــ تعزيز الرقابة أمريكية على النظام المالي: مع فرض مزيد من الشروط الأمريكية، سيستمر مصرف لبنان باداء دوره كأداة لتنفيذ العقوبات الأمريكية، مما قد يؤدي إلى تقييد التحويلات المالية، وخصوصاً تلك المتجهة نحو قطاعات اقتصادية معينة.

4 ـــ إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق شروط دولية: قد يضطر لبنان إلى تنفيذ خطة إعادة هيكلة جذرية للنظام المصرفي تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية، وهو ما قد يؤدي إلى اندماج أو تصفية عدد من البنوك، مما ينعكس سلباً على التوظيف والاستقرار المالي.

5 ـــ إستمرار الغموض حول الأموال المنهوبة: رغم موافقة الحكومة على مشروع قانون رفع السرية المصرفية، الذي ينتظر إحالته إلى مجلس النواب لمناقشته واقراره، لا تزال هناك تساؤلات حول مدى قدرة السلطات على إسترجاع الأموال المهربة إلى الخارج، خاصة أن أي تحقيقات جدية قد تصطدم بنفوذ المصارف والنخب السياسية، التي تنظر إلى تعيين كريم سعيد باعتباره يخدم مشروعها للتنصل والتملص من مسؤولية نهب ودائع المودعين، وكأن شيء لم يكن.

هل يتمكن اللبنانيون من التصدي لهذا المسار؟

في ظل هذه المخاطر، يصبح من الضروري أن يدرك اللبنانيون أبعاد هذا التعيين وتأثيره العميق على مستقبلهم المالي، فتعيين حاكم مصرف لبنان لا يقتصر على كونه قراراً إدارياً، بل يمثل توجهاً إستراتيجياً يرسم ملامح الإقتصاد اللبناني المنهك والمأزوم والمتعثر، ويؤثر بشكل مباشر على إستعادة العملة الوطنية المنهارة لقيمتها لعقود قادمة. يبدو أن اللبنانيين على موعد مع إستمرار نهج العهود المنصرمة التي كان تبدع في إدخالهم بأزمات مالية وإقتصادية خانقة، ويبقى حلمهم هو التصحيح الإقتصادي الفعلي، ووجود قيادة مصرفية مستقلة ان جاز التعبير تضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبارات سياسية أو خارجية.