كتب: د. جواد عبد الوهاب:
لماذا مكة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الأخرى بعد الرواية السعودية عن استهداف مكة المكرمة بمسيّرة قيل إنها أُطلقت من جانب أنصار الله.
فالرياض لم تكتفِ هذه المرة بالحديث عن هجوم عسكري على هدف سعودي، وإنما اختارت أكثر نقطة حساسية في الوجدان الإسلامي: مكة المكرمة. وبمجرد وضع اسم مكة في صدر الرواية، انتقلت القضية من مواجهة عسكرية وسياسية بين السعودية وأنصار الله إلى قضية دينية تتجاوز حدود اليمن والسعودية، وتمس مشاعر مئات الملايين من المسلمين.
وهنا تحديداً ينبغي التوقف.
ليس المطلوب تصديق رواية طرف أو تكذيب رواية طرف آخر لمجرد الرغبة السياسية. المطلوب سؤال بسيط: أين الدليل على أن مكة كانت الهدف المقصود؟
أنصار الله نفوا استهداف مكة. والسعودية تقول العكس. وبين الروايتين تقف مجموعة من الأسئلة التي لا تجيب عنها البيانات السياسية: ما نوع المسيّرة؟ من أين انطلقت؟ ما مسارها؟ وما الهدف الذي كانت تتجه إليه؟ وهل توجد أدلة مستقلة تؤكد أنها كانت متجهة إلى مكة تحديداً؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية لأن اتهام جهة باستهداف مكة ليس اتهاماً عادياً. إنه اتهام يحمل أثقالاً دينية وسياسية هائلة، ولذلك لا يمكن أن يُبنى على مجرد رواية طرف في حرب.
ثم هناك سؤال آخر أكثر إزعاجاً:
لماذا تختار أنصار الله مكة، إذا كان أمامها بنك واسع من الأهداف العسكرية والاستراتيجية داخل الأراضي السعودية؟
السعودية دولة مترامية الأطراف، وتضم قواعد ومنشآت ومطارات ومواقع عسكرية واقتصادية كثيرة. وبالتالي، فإن افتراض أن الهدف المقصود هو مكة تحديداً يحتاج إلى دليل قوي، لا إلى مجرد الاستناد إلى المسار المعلن للمسيّرة.
والأهم أن أنصار الله يعرفون جيداً الحساسية الاستثنائية لمكة. وهم يعرفون أن أي اتهام باستهدافها سيمنح خصومهم فرصة لنقل الحرب من ساحتها العسكرية إلى ساحة دينية شديدة الاتساع.
ومن هنا يصبح السؤال السياسي مشروعاً:
هل تحاول الرياض نقل المعركة من ميدان الأهداف العسكرية إلى ميدان المقدسات؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن المعادلة الإعلامية تصبح شديدة الوضوح. بدلاً من أن ينشغل الرأي العام بالسؤال عن نتائج المواجهة العسكرية، وحجم الخسائر، وقدرة كل طرف على الوصول إلى أهداف الآخر، يتحول النقاش فجأة إلى سؤال مختلف تماماً:
من يحمي مكة؟
وهذه ليست نقلة عادية في الخطاب السياسي.
فالرياض تدرك أن مكة ليست مجرد مدينة سعودية: إنها قبلة المسلمين ومركز حجهم وموضع قداسة لا يمكن مقارنته بأي هدف عسكري آخر. ولذلك فإن وضعها في قلب رواية الحرب ينتج تلقائياً تعاطفاً وإدانةً واسعين، حتى قبل اكتمال الأدلة المتعلقة بالحادثة.
ومن هنا يمكن فهم البعد الآخر للرواية: استجلاب التعاطف الإسلامي.
فإذا كانت السعودية تواجه صعوبات في إقناع الولايات المتحدة بالتدخل المباشر أو بتوسيع مستوى الدعم، فإن تقديم نفسها باعتبارها تواجه تهديداً يطال الحرمين يمنحها خطاباً مختلفاً تماماً: خطاباً لا يخاطب واشنطن وحدها، وإنما يخاطب العالم الإسلامي كله.
لكن استخدام المقدسات في الحرب السياسية سلاح ذو حدين.
فإذا كانت مكة قد تعرضت فعلاً لمحاولة استهداف، فإن القضية خطيرة إلى درجة تستوجب تقديم الأدلة الكاملة للرأي العام. أما إذا كان الهدف الحقيقي منشأة أو موقعاً آخر، ثم جرى تقديم الحادثة باعتبارها محاولة لاستهداف مكة، فإن الأمر يتحول من توصيف عسكري إلى توظيف سياسي للمقدس.
والتاريخ القريب يجعل هذه المسألة جديرة بالتدقيق. ففي عام 2016 ظهرت أيضاً رواية سعودية عن استهداف مكة بصاروخ من جانب أنصار الله، بينما نفى انصار الله ذلك. وعودة الاتهام اليوم، في ظل تصعيد جديد، تجعل من الضروري التعامل مع الرواية الحالية بأقصى درجات التحقق.
فالمسألة ليست في الدفاع عن أنصار الله ولا في تبني الرواية السعودية. المسألة هي أن مكة أكبر من أن تكون عنواناً في حرب إعلامية.
الحرمين الشريفين ليسا ورقة تفاوض، ولا أداة لاستدعاء التعاطف، ولا وسيلة لإعادة تعريف الصراع وفق احتياجات اللحظة السياسية.
وإذا كانت الرياض تملك أدلة تثبت أن مكة كانت الهدف المقصود، فلتقدمها. وإذا كان الهدف عسكرياً آخر، فلتكشف الحقائق كما هي.
أما تحويل حادثة غامضة إلى قضية تستنفر المشاعر الدينية قبل تقديم الأدلة، فإنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول الغاية السياسية من وراء اختيار مكة بالذات.
لقد فشلت الحرب طوال سنوات في حسم الصراع لمصلحة طرف واحد، وتحولت المعركة تدريجياً إلى صراع على الرواية كما هي صراع على الأرض.
واليوم تدخل مكة إلى هذه المعركة.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال واضحاً: هل كانت مكة فعلاً هدفاً عسكرياً، أم أن مكة أصبحت هدفاً سياسياً في معركة الرواية؟
الإجابة لا ينبغي أن تأتي بالشعارات، ولا بالبيانات الانفعالية، وإنما بالدليل.
فالمقدسات لا تحتاج إلى توظيف سياسي كي تُحمى، والحقيقة لا تحتاج إلى استدعاء المشاعر الدينية كي تثبت نفسها.