الكمين الاستراتيجي: حين يدخل الجيش الأقوى إلى مصيدة الأذكى

د. وسيم جابر

#مقدمة: الصبر سلاح لا يُصنَّع في أمريكا

هناك فرق جوهري بين جيش يقاتل وفق خططه وجيش يقاتل وفق خطط خصمه. الجيش الإسرائيلي دخل جنوب لبنان مقتنعاً بأنه يشنّ حملة على حزب مُنهَك نُزع سلاحه جنوباً، وأُفرغت قراه من مقاتليه. دخل بعقيدة المنتصر المسبق. وهذا بالضبط ما أراده حزب الله.

الصبر الاستراتيجي الذي مارسه الحزب طوال عامين لم يكن ضعفاً. كان إعداداً. كان تهيئة مدروسة لكمين جغرافي وميداني وسياسي في آنٍ واحد. وحين جاءت اللحظة، دخل الجيش الإسرائيلي بكامل ثقله إلى المصيدة التي نُصبت له بهدوء.

#أولاً: التحكم بالإيقاع، السلاح الذي لا يُشترى

منذ اليوم الأول، حزب الله لا يتقدم ولا يتراجع بالمعنى الكلاسيكي. يتحكم بالإيقاع. يختار متى يضرب، وأين يضرب، وكم يضرب. يُبطئ الوتيرة حين يريد إطالة الاستنزاف، ويُسرّعها حين يريد إشعال الجبهة الداخلية. هذا ليس دفاعاً. هذا قيادة ميدانية من النوع الذي تدرّسه أكاديميات الحرب.

قائد كتيبة أُصيب داخل موقع مُحصَّن. خمس ميركافا في يوم واحد. جرافة D9 في زوطر. مسيّرة تخترق ثكنة شوميرا. هذه ليست حوادث متفرقة. هذه منظومة ضغط متواصلة تستهدف الإرادة قبل أن تستهدف الآليات. وتستهدف الداخل قبل أن تستهدف الجندي.

#ثانياً: قلعة الشقيف، صورة مقابل حقيقة

وزير الدفاع كاتس يتحدث عن دماء عام 1982 فوق قلعة الشقيف. جملة مُحكمة للاستهلاك الداخلي. لكن من يقرأ الميدان يقرأ غير ذلك تماماً.

قلعة الشقيف نقطة مكشوفة. مرئية من كل اتجاه. لا تُحكم، بل تُكشَف. كل جندي فيها هو هدف معلَّق في الهواء. كل خط إمداد إليها شريان مهدَّد. وما نكَّسته مسيّرة حزب الله في البياضة يوم أمس يمكن أن يتكرر فوق الشقيف في اللحظة التي يختارها الحزب بدقة ساعة لا تخطئ.

كاتس يبيع صورة. والمقاومة تبيع حقيقة.

#ثالثاً: الجبهة الداخلية، الجرح الذي لا يُضمَّد بالنصر العسكري

معاريف كتبت ما لا يقوله الجيش: 70% من سكان الشمال لن يعودوا. ليس لأنهم خائفون مؤقتاً، بل لأنهم اتخذوا قراراً. حجوزات الصيف أُلغيت. المصانع وقفت. الأطفال لا ينامون. والكنيست يجتمع في تل أبيب.

ثلاثة أشهر كافية لتفريغ ما بنته إسرائيل عقوداً. لا بالقنابل، بل بالضغط المتواصل الهادئ الذي يحوّل الحياة اليومية إلى جحيم بطيء. هذه هي استراتيجية الاستنزاف في أكثر صورها نجاعة. لا تحتاج أن تهزم الجيش. تحتاج فقط أن تجعل الناس يغادرون.

#الخاتمة: نتنياهو يجتمع ليختار بين كارثتين

اجتماع الثلاثاء ليس اجتماع قوة. هو اجتماع عجز يبحث عن شكل. التصعيد على بيروت يفتح جبهات إقليمية لا طاقة لإسرائيل عليها. والتراجع يكشف حجم الفشل أمام جمهور يسأل: لماذا ذهبتم إذن؟

والإجابة لا توجد في الكابينت. توجد في يحمر وزوطر والشقيف وكريات شمونة الفارغة.

.. الجيش الذي يحتاج إلى قلعة أثرية لبيع صورة انتصار، جيش يخوض حرب صورة لا حرب ميدان. وحزب الله يعرف الفرق جيداً.

الخلاصة الاستراتيجية: دخلت إسرائيل هذه الحرب بعقيدة جيش يكنس. اكتشفت أنها أمام جيش يصطاد. الفرق بين الاثنين ليس في العدد ولا في العتاد. في من يملك الإيقاع. وحزب الله يمسك به بيد لا ترتجف.

#قلعة_الشقيف
#الكمين_الاستراتيجي