دوار تناقضات ترامب عنوان بارز في الصحف الإيرانية

اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأحد 31 أيار 2026 بتحليل الوضع التفاوضي الراهن بين الجمهورية الإسـلا مية في إيران والولايات المتحدة الأميركية، وتحليل التناقضات الإعلامية في التصريحات الأميركية ودلالاتها، وكذلك فخ الضخ الإعلامي غير المنظم، إلى غير ذلك من أساليب الحر ب الصامتة.

دوار تناقضات ترامب

كتبت صحيفة وطن أمروز: “إن المواقف المتناقضة للرئيس الأميركي بشأن طبيعة وأهداف وإدارة حـ..ــرب رمضان، وفترة الصمت في الميدان، تثير العديد من التساؤلات لدى المهتمين بالعلاقات الدولية. لا شك أن العامل الأهم في هذا الصراع والتناقضات اللفظية هو عجز واشنطن عن استيعاب تبعات هزيمتها وهــ..ــزيـ.ـمـة “تل أبيب” في المـ..ـواجهة العسـ.ـكرية مع إيران. وبشكل أدق، نشهد حاليًا بروز أزمة صنع قرار في الولايات المتحدة؛ أزمة لا يمكن اعتبارها تكتيكية أو مؤقتة. تشير هذه الأزمة إلى فقدان التوازن في استراتيجيات السياسة الخارجية الأميركية وأساليبها وأدواتها، وإلى تشكّل معادلة معقدة ومتعددة الأوجه في البيت الأبيض.

على عكس مساعي أميركا لوصف نفسها بأنها قوة مهيمنة، فإن هذا التصنيف غير قابل للتطبيق في الواقع. يواجه البلد سلسلة من الأزمات المتزامنة: الهــ..ــزيـ.ـمـة في الحر ب الثالثة المفروضة، والمنافسة الاستراتيجية مع الصين، والتوتر مع روسيا، والتحديات المتعلقة بالتهـ..ـديدات المشتركة، بالإضافة إلى قضايا داخلية متزامنة كالانقسام الاجتماعي والهجرة والديون والتضخم. في مثل هذه الحالة، فإن أي قرار بالتركيز على أزمة واحدة يعني إهمال الأزمات الأخرى. يشير مصطلح الإنهاك الاستراتيجي إلى هذا تحديدًا؛ فعندما تُستنزف الموارد السياسية والاقتصادية والعسـ.ـكرية، يعجز النظام الأميركي عن اتخاذ قرارات حاسمة على جميع الجبهات في آن واحد. ونتيجةً لذلك، تُتخذ قرارات مترددة ومؤقتة وتكتيكية. كما يلعب الهيكل السياسي متعدد المستويات في الولايات المتحدة دورًا هامًا في تشكيل هذه العـ..ــمليـة. وخلافًا لما يُعتقد أحيانًا في الخارج، فإن القرارات المتعلقة بالحر ب أو الاتفاقيات الكبرى أو العقوبات في الولايات المتحدة لا تُتخذ في غرفة مغلقة. فالرئيس والكونغرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) والأجهزة الأمنية والعسـ.ـكرية والوزارات المختلفة وجماعات الضغط، وحتى الدول، تؤثر في هذه القرارات بدرجات متفاوتة. وإلى جانب هذه المستويات الظاهرة، تلعب جهات فاعلة خفية دورًا في تشكيل هذه المعادلة. يؤدي هذا التمركز المتعدد للسلطة إلى زيادة احتمالية شلل القرار. فكل قضية حساسة، بدءًا من الاتفاق النووي وصولًا إلى إعلان الحر ب، يجب أن تمر عبر مراحل متعددة، ما ينتج عنه عـ..ــمليـة طويلة مليئة بالنكسات والتسويات غير المكتملة التي تتجلى خارجيًا في صورة عدم استقرار أو تناقضات.

في الوقت الراهن، تشهد السياسة الداخلية الأميركية استقطابًا وانقسامًا حادَّين. فالانقسام بين الحــ.ـزبين الرئيسيين (الديمقراطيين والجمهوريين) لا يقتصر على الأساليب فحسب، بل يشمل أيضًا تصور التهـ..ـديدات والمعايير، وحتى صورة أميركا عن نفسها. في مثل هذه البيئة، يصبح كل قرار رئيسي في مجال السياسة الخارجية الأميركية ساحة معركة. فعلى سبيل المثال، لا يُعد الاتفاق أو الاختلاف بشأن القضية النووية الإيرانية مجرد نقاش فني، بل هو أيضًا وسيلة لمهاجمة الخصم السياسي. فإذا اتجهت الإدارة الديمقراطية نحو التوصل إلى اتفاق، سيصفها بعض الجمهوريين بالضعف والتنازل، وإذا اتخذت الإدارة الجمهورية نهجًا أكثر عـ..ـدوانية، سيصف الديمقراطيون تصرفها بالمغامرة المكلفة. ستؤدي هذه المـ..ـواجهة إلى افتقار القرارات الرئيسية في واشنطن إلى الاستقرار والاستمرارية اللازمين، وستبقى الحكومات في حالة ترقب بين الخيارات خوفًا من التداعيات الداخلية.

ثمة نقطة أخرى لا ينبغي إغفالها، وهي البيروقراطية الأمنية الأميركية المعقدة. فالسياسة الخارجية والأمنية للبيت الأبيض هي نتاج تفاعل مؤسسات عديدة: وزارة الخارجية، والبنتاغون، ومجلس الأمن القومي، ووكالة المخابرات المركزية وغيرها من أجهزة الاستخبارات، ووزارة الخزانة، وغيرها. ولكل من هذه المؤسسات ثقافتها التنظيمية ومصالحها الخاصة، وتعريفها الخاص للتهـ..ـديدات والفرص. وفي قضايا حساسة كالحر ب والعقوبات واتفاقيات السلام، لا تتفق هذه المؤسسات. فعلى سبيل المثال، قد تسعى وزارة الخارجية الأميركية أحيانًا، متأثرة بتزايد تكاليف النزاع وخوفًا من اتساع نطاق الإخفاقات الخارجية، إلى حل دبلوماسي، بينما تخشى وزارة الحر ب من إرسال رسالة ضعف إلى منافسيها، أو قد تتردد أجهزة الاستخبارات بشأن اتفاق ما، بينما يبحث الفريق السياسي للحكومة عن إنجاز يُتباهى به على الساحة الداخلية. هذا التضارب في وجهات النظر قد يُطيل عـ..ــمليـة التوصل إلى قرار نهائي ويجعلها مليئة بالتحديات. بل إن بعض القرارات على مستوى الخبراء تُعاد صياغته وتعديله مرات عديدة بسبب هذه الاختلافات، لدرجة أن النتيجة النهائية لا تُشابه النهج الأولي لمؤسسة واحدة، بل هي أشبه بمتوسط غير متوازن لجميعها. ما يُنظر إليه اليوم على أنه أزمة صنع القرار في الولايات المتحدة هو مزيج من عدة عوامل: بنية سلطة متعددة المراكز، واستقطاب سياسي، وإرهاق ناتج عن تضخيم الأزمات، وصراع بيروقراطي داخلي، وضغط من الرأي العام والانتخابات، وتناقض بين الدور العالمي والمطالب المحلية، وتزايد تعقيد البيئة الدولية، وانهيار النظام الأحادي القطب.

وقد جعل هذا الوضع قرارات واشنطن بطيئة ومكلفة ومتناقضة. وقد فاقم وجود سياسي هاوٍ يفتقر إلى الاتزان الفكري يُدعى ترامب، على رأس المعادلات السياسية والتنفيذية في واشنطن، هذا التوجه. ولهذا الأمر نتيجتان سلبيتان على واشنطن: إحداهما انخفاض في قوة الردع للقرارات الأميركية. وبناءً على ذلك، يدرك المنافسون أن بإمكانهم الاعتماد على تردد واشنطن وتقلباتها الداخلية. أما النتيجة الثانية لهذا التوجه فهي ازدياد انعدام ثقة حلفاء أميركا في النظام الدولي. يشعر حلفاء البيت الأبيض في مختلف أنحاء العالم بالقلق من أن أميركا ستضحي بمصالحهم في اللحظات الحاسمة من أجل قراراتها الخاصة بسبب أزمة صنع القرار هذه.”

فخ إعلام التفاوض

كتبت صحيفة همشهري: “إحدى وثائق وكالات الأمن الأميركية تحمل نقطة مثيرة للتفكير، إذ تنص على أن وسائل الإعلام المرتبطة بنا يجب أن تقوم بأمرين في آن واحد: أولًا، إطلاع الجمهور على التفاصيل، وثانيًا، شن حـ..ــرب تشكيك.

لماذا التفاصيل؟ لأنه عندما تكثر الأخبار، كبيرة كانت أم صغيرة، ومتناقضة، يُغلق باب الإنكار؛ خبر كل ساعة، ورواية كل يوم، ومصدر موثوق كل لحظة. تدخل في دوامة، وكلما طالت مدة بقائك فيها ازداد غرقك. إن كثرة الأخبار، صغيرها وكبيرها، وتفاصيلها المتضاربة، تؤدي عمليًا إلى طريق مسدود في الإعلام.

ما هي حـ..ــرب الشك؟

إنها تعني اختلاط كم هائل من الأخبار الصحيحة والخاطئة، بحيث يعجز الجمهور عن رفضها أو قبولها بشكل قاطع. نتيجةً لذلك، يُصاب الجمهور بإرهاق معرفي؛ أي يفقد تدريجيًا تركيزه وقدرته على التحقق من الحقيقة، ويُصبح غير مبالٍ بمصدر الخبر وصحته أو زيفه. في مثل هذه الحالة، يبدو من يُكثر من التقارير وينشر آخر الأخبار أكثر مصداقية.

لا حاجة إلى توثيق هذه الروايات بوثائق أمنية معادية؛ ففي الواقع، هذا ما يحدث تمامًا في غرفة عـــ..ــمـلـيـات الـ.ـعـ.ــدو. انظروا فقط إلى سلوك ترامب. ينقل الحر ب إلى تويتر، ويريد حشدها على وسائل التواصل الاجتماعي. يرفع سماعة الهاتف، ويتصل بقناة فوكس نيوز، ويُصيغ روايةً، ويُفجّر الفضاء الإعلامي.

ماذا لو أراد مسؤول إيراني الرد لحظةً بلحظة؟ لقد دخل ترامب عمليًا إلى معقله. إذا التزم الصمت، سيُتهم بالتستر، وإذا استمر في الرد، فسيكون قد كشف جزءًا من مخططاته وحساباته. وهذا يعني فخًا إعلاميًا.

بالطبع، لا يعني هذا إنكار المعلومات، بل يجب إطلاع الناس عليها، وعلى المسؤولين التحدث بصراحة وصدق.

لكن ثمة فرق بين المعلومات والوقوع في لعبة الـ.ـعـ.ــدو النفسية. المسألة الأهم هي شيء آخر؛ فبالنسبة للبعض، لا يهم ما يُقال على الإطلاق، وإنما انعدام الثقة. فكل تفسير يُقدم، يُولد شكًا جديدًا. فلنُحسن الظن بمسؤولي البلاد، ولنتذكر أن قــيـا دة الـ.ـثورة كانت تعتبر أي نقد أو مطلب، حتى لو كان مُبررًا، يُثير الانقسام، خطأً. إحدى طرق النقد البنّاء هي المطالبة من الداخل بالثقة في مسؤولي البلاد؛ المسؤولين الذين هم اليوم، بكل ميولهم ومعتقداتهم، في ساحة النضال؛ سواء في المجال العسـ.ـكري، أو في المفاوضات، أو في الحر ب الإعلامية.”

تجاوز ترامب حدود الوقاحة مع العراق

كتبت صحيفة كيهان: “حذر مسؤولون سياسيون عراقيون من التدخل الأميركي في تعيينات الحكومة العراقية الجديدة؛ إذ أفاد هؤلاء المسؤولون بأن إدارة ترامب أبلغت رئيس الوزراء العراقي الجديد بضرورة عدم التدخل في تعيين وزيري الداخلية والدفاع، فضلًا عن المؤسسات الأمنية الأخرى!”.

ويُظهر التدخل الواسع النطاق وغير المحدود لدونالد ترامب، الطامح في الشؤون الداخلية للعديد من الدول، ولا سيما في غرب آسيا، نمطًا متكررًا لنهج «أميركا أولًا» الذي شكّل تحديًا لنفوذ واشنطن بدلًا من تعزيزه. وقد تجاهل ترامب باستمرار الخطوط الحمراء للسيادة الوطنية، ليس فقط في هذه المنطقة، بل أيضًا في حالات أخرى، كالضغط على أوروبا لزيادة إنفاق حلف الناتو، ومحاولة تغيير السياسات التجارية الصينية، والتدخل في انتخابات وشؤون دول أميركا اللاتينية الداخلية، بل وحتى اتخاذ مواقف مباشرة في الصراعات الآسيوية. وقد جعل هذا الأسلوب الدبلوماسي الـ.ـعـ.ــدواني والشخصي، الذي غالبًا ما يصاحبه تهـ..ـديدات اقتصادية أو خفض للمساعدات أو وعود بدعم مشروط، العديد من حلفاء أميركا التقليديين يشعرون وكأنهم أوصياء لا شركاء. والنتيجة هي تنامي الشعور بانعدام الثقة العالمي بالولايات المتحدة. فالدول التي كانت تنظر إلى واشنطن بوصفها ضامنًا للاستقرار تتجه الآن إلى بدائل مثل الصين وروسيا، أو حتى إلى الانخراط الإقليمي المستقل، وهو ما يُقوّض النفوذ الأميركي، الناعم والخشن، على حد سواء.

للتدخل الأميركي في العراق تاريخ طويل يعود إلى غزو عام 2003، لكنه في عهد ترامب أصبح فظًّا ومباشرًا ومهينًا لدرجة أنه بات مسيئًا للعديد من العراقيين والمراقبين الدوليين.

وتشير تقارير، مثل تلك التي نشرها مسؤولون في تحالف الأنبار، إلى أن إدارة ترامب أبلغت رئيس الوزراء العراقي الجديد علي زيدي صراحةً بأنه ليس له الحق في التدخل في اختيار وزارات الداخلية والدفاع والأمن، وأن هذه الاختيارات يجب أن تتم بتنسيقٍ وموافقةٍ أميركيين. ويتجاوز هذا المستوى من الوقاحة الدبلوماسية التقليدية، ويُصوّر العراق كدولة تابعة. ومع ذلك، نعتقد أنه لو لم يستسلم العراق لهذه الضغوط في اختيار نوري المالكي، لما واجه هذا المستوى من الوقاحة الأميركية اليوم. ورغم أن الإدارات الأميركية السابقة قد اضطلعت بدور في الشؤون الأمنية العراقية، فإن لهجة ترامب وصراحته قد أوصلتا هذه القضية إلى حد وصفها، من قبل التحالفات السياسية العراقية، بأنها تدخل سافر. وهذا السلوك لا يُثير المـقـاومة الداخلية فحسب، ويُفسح المجال أمام المنافسين للتغلغل، بل يزيد أيضًا من كراهية الناس لأميركا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
https://ahdsocial.org