المقاومة تفرض معادلة استنزاف قاتلة ضد قوات العدو ومدرعاته جنوبي لبنان

على وقعِ أزيزِ المُحلّقات الانقضاضية وصليات الصواريخ التي لم تهدأ، تجد قوات العدو الإسرائيلي نفسها اليوم عالقةً في أضيق زوايا الميدان وأكثرها حرجًا منذ بدء العدوان؛ فالمشهد جنوبي لبنان تحول إلى حائط مسدود ترتطم به كافة التقديرات العسكرية الصهيونية؛ إذ تتدرج المقاومة الإسلامية في تصعيد إدارة المبادرة الميدانية بذكاء عملياتي فائق، محولةً مشاة العدو إلى ما يشبه البط في حقل رماية.

ووفقًا للمعطيات؛ فإن العدو فشل في تثبيت نقاط ارتكازه، وعجزه عن تأمين تشكيلاته المتقدمة، ما يضعه أمام خيارين؛ إمّا الغرق في استنزاف قاتل ومكلف بشريًّا وتقنيًّا، أو البحث عن صورة نصر متخيلة يسوقها لجمهوره المذعور في الداخل، في وقتٍ تؤكّد فيه الوقائع أن يد المقاومة هي العليا، وأن كل محاولة لفرض واقع ميداني جديد تحت ستار التهدئة الهشة ستقابل بعمليات قاصمة تذيب أوهام التوسع التي ينادي بها جلاوزة الإجرام الصهيوني أمثال “سموتريتش”.

ويأتي الانهيار العملي لمفهوم وقف إطلاق النار نتيجة حتمية للتمادي الصهيوني في خرق السيادة واستهداف المدنيين، وهو ما ردّت عليه المقاومة بعمليات ميدانية بلغت في الساعات الـ 24 الماضية، 30 بيانًا موثقًا، حصد أمس الثلاثاء، 18 عملية نوعيّة، ومنها 12 عملية نوعية خلال 12 ساعة فقط، في إطار معركة “العصف المأكول”، لترسم بدم الشهداء ونار الصواريخ حدودًا لا يمكن للعدو تجاوزها دون دفع الثمن باهظًا؛ حيث أقرّ العدو الإسرائيلي بمصرع 5 من جنوده وإصابة 33 آخرين جراء ردود حزب الله.

وفي التفاصيل الميدانية التي وثقها الإعلام الحربي، اليوم الأربعاء، شنّت المقاومة الإسلامية سلسلة من العمليات المركزة، بدأت بالبيان الذي أعلن فيه المجاهدون عن استهداف تجمع لجنود العدو عند مرتفع “الصلعة” في بلدة “القنطرة” بمحلّقة انقضاضيّة في وقتٍ متأخر من ليل الثلاثاء، محققين إصابة مؤكّدة.

ومع إشراقة صباح اليوم الأربعاء، توالت العمليات؛ فقد استهدفت المقاومة تجمعًا آخر في ساحة بلدة “الطيبة” بمحلّقة انقضاضيّة، تلاها دكُّ تجمع لجنود الاحتلال في محيط بلدة “البيّاضة” بقذائف المدفعيّة التي لم تترك للعدو مجالاً لالتقاط أنفاسه.

وفي تطورٍ نوعي استهدفت المقاومة مركزًا قياديًّا مستحدثًا لجيش العدو في بلدة “القنطرة” بمحلّقةٍ انقضاضيّة، ما يعكس قدرة استخباراتية عالية في رصد التحركات الميدانية خلف الخطوط، ولم تسلم آليات العدو من التنكيل، حيث تم تدمير آليّة “هامر” في بلدة “دير سريان”، بينما أعلنت عن إصابة آليّة عسكريّة عند منطقة “الدواوير” في بلدة “حولا”، وكلاهما نُفذ بواسطة المحلقات الانقضاضية التي أصبحت كابوسًا يؤرق قادة الكتائب الصهيونية، وفي “القوزح”، استهداف ناقلة جند، بينما عاد “هامر” الاحتلال ليسقط مجدّدًا في بلدة “الطيبة”.

العمليات لم تتوقف عند حدود الاشتباك المباشر، وإنّما امتدت لتشمل تجمعات الآليات والجنود في “الناقورة” بسربٍ من المسيّرات الانقضاضية، واستهدافًا متكررًا في البياضة، وصولاً إلى تدمير تجهيزات فنّيّة مستحدثة بقنابل ألقتها محلّقة، وختمت المقاومة جولتها لمنتصف اليوم، بصليةٍ صاروخيّة مركزة استهدفت تجمعًا للآليات والجنود في بلدة “رشاف”.

ويرى مراقبون أن هذا التواتر العملياتي المدروس، والمدعوم بمشاهد فيديو وزعها الإعلام الحربي لاستهداف دبابة “ميركافا” في “بيت ليف”، وآخر لمنظومة تحكّم بالمحلّقات تابعة لجيش العدو الصهيوني في بلدة “البيّاضة” جنوبي لبنان بمحلّقة انقضاضيّة أيضًا، يثبت أن منظومة التحكم والسيطرة لدى المقاومة في أفضل حالاتها.

على الجانب الآخر، تسيطر حالة من الإحباط والذهول على الأوساط العسكرية والإعلامية الصهيونية؛ فبينما تتحدث صحيفة “معاريف” الصهيونية عن قلق “الجيش من جولة قتال وشيكة مع إيران وتطور برنامجها النووي”، يبرز الاعتراف الميداني الأكثر إيلامًا على لسان قائد الكتيبة التاسعة الذي صرح لصحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية قائلاً: “حزب الله يفاجئنا يوميًّا، ونحن نتعامل مع مشكلة الطائرات المسيّرة التي تحلّق فوق رؤوسنا باستمرار”.

ويؤكّد المراقبون أن العجز الصهيوني اليوم انعكس في تخبط المتحدث باسم جيش العدو، الذي أقر بإطلاق صواريخ اعتراضية ضلّت أهدافها، وسقوط مسيّرات مفخخة وقذائف هاون وسط القوات العاملة في الجنوب.

فيما أكّدت القناة 12 الصهيونية وقوع أضرار بالغة إثر انفجار محلّقة مفخخة داخل موقع عسكري في “مرجليوت”، بينما اعترف مراسل إذاعة جيش العدو بأنها المرة الثالثة التي تنجح فيها مسيّرات المقاومة في ضرب العمق منذ ما يسمى بوقف إطلاق النار.

وبالتالي؛ فإنّ هذا الواقع الميداني الذي يفرضه مجاهدو المقاومة الإسلامية هو فعل إرادي يهدف إلى حماية السيادة اللبنانية ومنع العدو من قضم الأراضي أو تثبيت نقاط عسكرية، مؤكدين في كل بيان أن الالتزام بالأرض والشعب هو العهد الذي لن يحيدوا عنه، وأن “العصف المأكول” سيظل يلاحق فلول المحتل حتى يجر أذيال الخيبة وراءه.